الشيخ محمد هادي معرفة
117
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً » « 1 » . * * * 4 - ومنها : قوله تعالى : « وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » « 2 » . فسّر « الدحو » بعض المفسّرين بالبسط . فلو تُرجم إلى هذا المعنى ضاع المعنى الذي يؤخذ من « الدحو » ، وهو التكوير غير التامّ ، كتكوير البَيضة مع الدوران . ولا يزال أهل الصعيد - وأصل أكثرهم عرب - يعبّرون عن « البَيض » بالدحو أو الدحى أو الدح . 5 - وكذلك إذا تُرجم قوله تعالى : « يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ » « 3 » بما يقوله بعض المفسّرين « 4 » ، ذهب المعنى المستفاد من الآية ، وهو كرويّة الأرض ؛ لأنّ تكوير الضوء أو تقوّسه يستلزم تكوير المُضاء وتقوّسه ؛ لأنّ النور والظلمة إنّما يتشكّلان بأشكال الجسم الواقعين عليه . فلو تُرجمت الآية بذلك المعنى ( التغشية ) ثمّ دلّتنا الأدلّة على صحّة المعنى الثاني ، لكنّا قد خسرنا معجزة من معجزات القرآن . قال الأستاذ الشاطر : إنّي لأخشى أن ينطبق علينا الحديث الشريف : « لتتّبعنّ سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتّى لو دخلوا جُحر ضبّ خرِبٍ لاتّبعتموهم . قيل : يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ ! » « 5 » دفاع حاسم ولقد أحسن الأستاذ محمّد فريد وجدي الدفاع عن « مشروع ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبيّة » وأجاب عن اعتراض الأستاذ ( الشاطر ) قائلًا : نحن نعتقد أنّ القرآن كتاب لا تنقضي عجائبه ولا يدرَك غَوره ، كما يعتقد الأستاذ ( الشاطر ) ولكنّا لا نذهب بالغلوّ في هذا المعنى إلى درجة التعطيل ، واعتباره طلسما تضلّ العقول في فهمه ، ولا تصل منه إلى حقيقة ثابتة . فإنّ هذا الفهم يصطدم بالقرآن نفسه ، فقد وصفه في غير آية
--> ( 1 ) - . النبأ 7 : 78 . ( 2 ) - . النازعات 30 : 79 . ( 3 ) - . الزمر 5 : 39 . ( 4 ) - . فسّروا « التكوير » بمعنى التغشية . ( 5 ) - . الصحيح للمسلم ، ج 8 ، ص 57 ؛ راجع القول السديد ، ص 21 - 26 .